إن تعريف مفهوم الحداثة في القاموس (أنظر قاموس روبير) يجرّده من كل مدلول عملياتي في علم الاجتماع التاريخي. وإذا كانت كلمة "حداثة" تُردّ إلى كل "ما هو من زمن المتكلم" يصبح من المستحيل تخصيص "الحداثة" بزمن وبفضاء تاريخي محدد. والساعي وراء فهم كيف تتحد علاقة "الاسلام بالحداثة" يتعين عليه بصورة أساسية أن يعرف كيف يدرك ظاهرة الحداثة دون أن يتحيز لتجلياتها في الغرب. ويبدو لنا أن هناك خطين يفرضان نفسيهما في مسار البحث هما: 1_ لابد في المنطلق، من تصحيح المنظور التاريخي حول نشأة الحداثة في النطاق الأغريقي السامي. (2) ثم إنه من الضرورة بمكان، اخضاع الحداثة الراهنة _في مكوناتها التكنولوجية والفكرية الاساسية _ لتحليل نقدي في ضوء ما يسميه ج.بالانديه بـ "انثروبولوجيا التنازع والخصام". هذه المهمة المزدوجة المشار اليها هنا هي من اللزوم إذ أنها تتضمن استباق اعتراض شائع ومحق من جانب المسلمين، خصوصاً في الاوضاع الراهنة: فهؤلاء المسلمون يرفضون بشدة، كل اولئك الذين يقولون، بتبسيط، بتعارض اسلام متداخل مع تقليد القدماء وتراث تكراري ونزعة محافظة، مع الحداثة المنبثقة والنامية في الغرب، باعتبارها مسيرة حثيثة نحو التقدم، وقبول لا تحفظ فيه للتجديد، ودينامية تاريخية. كثير من المفكرين المسلمين أقرّوا ويقرّون بالتمثيلات المفروضة بفعل مناورات أو الاعيب ايديولوجية حول العلاقة بين التراث والحداثة. ولهذا يجب أن نوضح، أن ادراك هذه العلاقة محكوم إلى حد بعيد، ومنذ القرن التاسع عشر، بوعي متنام، للاختلال الفاضح، في كل مستويات الوجود التاريخي، بين المجتمعات الاسلامية والمجتمعات الغربية. وبدلاً من أن تعمل المقالات الاسلامية على ادراك الظروف الواقعية لوجود الاسلام، في اطار من العداء لا تتكافأ فيه الأسلحة، عمدت هذه المقالات الى الاسترسال في التقريظ الدفاعي أو إلى الهجوم، تغذيها مقالات في علم الاسلاميات تحوي الكثير من الاطروحات العرقية. وسوف نرى كيف نستطيع وكيف يجب أن نتجاوز عصوراً من الخصومات ومن سوء الفهم.
_ مقاربة للحداثة في المجال الاغريقي السامي
إن الموقف الذي وقفه الغرب من خط نموه التاريخي الخاص، كان له آثار أكثر ظلماً فيما يتعلق بالتصور التاريخي للحضارة العربية الاسلامية. إذ لم يُكتفَ بطرح هذه الحضارة ضمن "ظلمات" العصر الوسيط، بل كان عليها أن تتحمل الآثار المتفاعلة للأحكام المسبقة المسيحية، وللأهواء المغرضة التي خلقتها "عملية الاسترداد" الاسبانية، ولتعصب الفرق (الاخويات) المتكاثرة داخل الاسلام عقب القرن الثالث عشر. وانمحت الوظيفة الابداعية والتوسطية للحضارة العربية الاسلامية التي قامت بين القرنين السابع والثاني عشر، بصورة تدريجية من المؤلفات التاريخية الغربية: وكانت النتيجة أنه حتى في أيامنا هذه، قليلون هم المفكرون والعلماء العرب المسلمون الذين يُشار إليهم حتى في الكتب الأكثر توثيقاً وإسناداً".
ويصبح من المفهوم، ضمن هذه الشروط، سخط العرب _المسلمون عندما يكتشفون أن الحقبة المنتجة "الحديثة" من عدة اعتبارات، في تاريخهم، تُدرس تحت الاسم "المهين": العصر الوسيط. وتتجلى ردة الفعل الأعنف في المغرب وبصورة خاصة في الجزائر، ضد هذا المفهوم، لأن عدداً كبيراً من المغاربة تمثّلوا في المدرسة، وفي الكلية، مقتطفات وتعاريف التأريخ الرسمي الفرنسي المختصر في كتاب "ماله وايزاك" الشهير. ولكن في المناخ السياسي للصراع ضد الامبريالية، تصل ردة الفعل، المبررة علمياً، إلى درجات مفرطة ومسرفة في ايديولوجيتها أو في تقريظها الدفاعي: إن فورة الحداثة الفكرية، والعلمية، والتقنية، في الغرب، انطلاقاً من القرن السادس عشر، تجد أصولها في الجهد الخلاق للفكر وللعلم العربيين، خلال "العصر الذهبي". بل إن الثورة الاجتماعية ذاتها، وبواكير الديمقراطية قد تحققت أو دوّنت في القرآن، وفي سُنّة النبي، وفي نهج الصحابة.
إن التجديدات التي ولّدت الحداثة في الغرب، لم تتوصل حتى اليوم الى الاستبعاد الكامل لكل مسلمات المدرك الاغريقي السامي (الميتافيزيقية الكلاسيكية بمكوناتها المتعددة منذ أفلاطون + الميتافيزيقا التوراتية بصيغها اليهودية المسيحية والاسلامية). لقد ظلّ علم الاثنولوجيا يعتقد أنه يستطيع أن يميز المجتمعات الغربية بأنها ذات تاريخانية دينامية عن المجتمعات البدائية الجامدة المتقوقعة ضمن اعادة الانتاج الطقوسي لميكانيزماتها. واليوم، نكتشف تاريخانية ضمن المجتمعات الأكثر قدماً، ونشهد، بدهشة أو بخيبة أمل، احياء للاعقلاني، وللنزعات المهدية الخلاصية والخرافات والأوهام، والفرق. الخ في المجتمعات حيث تكون جميع صفات الحداثة هي الأعرق والأكثر نشاطا. في حين أن ما نلحظه ونصفه اليوم بفضل ما قدمته أوجه العلوم المرنة، والفعالة والمنفتحة، يصح، بصورة اولى، بالنسبة إلى كل مراحل المجتمعات السابقة.
وإذا كانت كل هذه الاشارات صائبة، فلا بدّ من التسليم بأن الحداثة ينبغي أن تُحدّد في المناخ الاسلامي كما في المناخ الغربي المسيحي، بالنسبة إلى قطبين: قطب الماضي وبه يتعلّق، العتيق والقديم، والتقليدي، والعرفي، والكلاسيكي؛ ثم قطب المستقبل وبه يتعلّق التجديد، والمبادهة، والقرار التطلعي الاستكشافي.
من وجهة النظر التي تهمنا، يجب أن نعلم أن من آثار القرآن وتعاليم محمد، التاريخية، وضع وتطوير، (في اللغة العربية اولا، ثم في اللغات الاسلامية الأخرى كالفارسية والتركية، والاوردية، الخ) النواة الميتافيزيقية للتحالف القديم: فالشعوب التي تأثرت قليلاً أو لم تتأثر، حتى القرن السابع، بتيارات الفكر الأغريقي _ اليهودي _ المسيحي، تحوّلت بدورها، إلى هذه "الحداثة" التي يمكن تعريفها كارادة القضاء على الانسان القديم (الموصوف بالكافر = الخائن للميثاق الأساسي في القرآن) لصالح الانسان الجديد أو المؤمن.
مرفوض في الاسلام عموماً، وما يزال، التمثل التاريخي والسوسيولوجي، الذي بموجبه يُعتبر الشرع المسمى بالاسلامي بأنه قانون وضعي أضفيت عليه الشرعية بنظرية من نظريات أصول الفقه، ربطت الحلول العملية التي وضعها القضاة الأول (خلال القرن الأول للهجرة)، بمنابع دينية أصولية (القرآن والحديث). وكذلك، ما يزال بعض المؤلفين من السنة والشيعة، يقدّمون الخلافة أو الامامة وكأنهما مؤسستان ترتكزان منذ البداية، على أساس ديني أصيل، في حين أن إضفاء هذه الشرعية، هنا أيضاً، هو عمل لاحق. وقد نجد في اليهودية وفي المسيحية المعاصرتين، مواقف وممارسات مشابهة. وينعقد التوتر بين لغات العصر الكلاسيكي واللغات التي تحاول أن تفرض نفسها، في، وبواسطة العلوم الانسانية، من جراء صراع الايديولوجيات المتحاربة: فهذه تطرح مزيجاً ناشطاً ومحركاً، من الرسيمات التفسيرية الكلاسيكية ومن بديهيات جدلية اجتماعية تحاول اعادة توزيع السلطات والممتلكات. وهذا ما يبدو بوضوح، من خلال أدب كاسح حول لاهوتية الثورة، والتحرير، والثقافة... الخ، عند المسيحيين. ولاهوتية الأرض الموعودة، والشعب المختار، والهجرة، عند اليهود؛ واضفاء الشرعية على الاشتراكية، وعلى معارك التحرير، وعلى السلوكات العصرية، بالقرآن، وسنة النبي وصحابته عند المسلمين. وينتج عن ذلك مناخ من الفوضى الفكرية وحرب توصف بأنها أيديولوجية في الأوساط السياسية، وبالابستيمولوجية في الأوساط "العلمية".
من المهم التعمق أكثر في تحليل هذه الظروف الجديدة، حيث تُدعى كل فكرة إلى التطبيق اليوم. يجب أن نفهم تماماً بأن المعارضات والخلافات، والانشقاقات التي نقوم بوصفها، لا تُعزى فقط إلى مفكرين أسرهم التفكير والبحث المجرد. إن العلم والتكنولوجيا الحديثين يفرضان في كل مكان الاضطراب الذي يلامس الوجود البشري بالذات: فالراديو الترانزيستور، والتلفزيون، والطائرة، والصواريخ العابرة للقارات، وحبة الدواء، وأسلوب الانتاج الصناعي، والمطالبة بنظام اقتصادي جديد وعالمي.. الخ. تحطم بنيات نفسانية وسيكولوجية، واجتماعية وسياسية رافقت، حتى الآن، نوعاً من اللغة الدينية، وبعض الممارسات الثقافية. ووفقاً لوتائر مختلفة بحسب المجتمع المدروس يقوم الانسان المعاصر بتجربة، وإن لم تكن جديدة، بصورة أصلية، في تاريخ الحضارة، ولكنها تفرض نفسها بزخمها، وعمقها، وتعميمها السريع على كل المجتمعات، وعلى كل طبقات المجتمع، وكل الأفراد: والأمر الذي ظلّ، لقرون معروضاً ومعاشاً، ومدموجاً، سيكولوجياً على أنه واقع محكوم بقواعد طبيعية تكشف بعنف، وكأنه امكانات محتملة، متكررة بصورة تحكمية (سلطة سياسية، لاهوتية، فلسفية، علمية...) محكومة بتقنينات ثقافية. ولهذا يتم البحث حالياً في فكفكة كل الثقافات التقليدية من أجل كشف أوالياتها التمويهية، وقناعها الواقعي الحق وبمقدار ما لعبت الأديان دوراً مؤثراً في نمو ومراقبة الثقافات مراقبة ادراكية، أصبح من المحتم أن تكون مستهدفة بصورة خاصة من قبل الاستقصاء التفكيكي. في الاسلام، مثلاً من الضروري المستعجل تبيان، لأول مرة، كيف تحولت مجالات تحقيقية في الوجود الانساني، أي مظاهر معنوية، إلى مقولات أيديولوجية، متراتبة، بحسب اختيار طبقة حاكمة، وبحسب مقتضيات، ظروف تاريخية، أو ثقل تراث نموذجي: تلك هي حالة الروحي والزمني، وحالة المقدس والمبتذل، وحالة الخرافة والتاريخ، واللاعقلاني والعقلاني، والخيالي والواقعي والأصيل والدخيل.
إن المعطى المسيطر أكثر من غيره على الفكر الاسلامي هو أن الاسلام أسمى من غيره من الديانات كلها. وبالامكان إن طبقنا تعاليمه بدقة، فبالامكان تفادي كل الضلالات، وكل أزمات الحضارة الغربية المزعومة. بل وبالعكس بالامكان بناء حضارة مثالية بالنسبة إلى البشرية جمعاء. وكل محاولة تهدف إلى حصر الاسلام ضمن مشكلة كالتي يعاني منها الغرب بصورة خصوصية، هي بالتالي مرفوضة قبل أي فحص أو تدقيق.