البشريّة
شاءت حكمة العليم الخبير أن يكون الرسل الذين يرسلهم إلى البشر من البشر أنفسهم، (قُل إنّما أنا بشرٌ مِثلُكُم)(سورة الكهف/ 110).
أهلية البشر لتحمّل الرسالة
الذين يستعظمون ويستبعدون اختيار الله بعض البشر لتحمّل الرسالة لا يقدرون الإنسان قدره، فالإنسان مؤهل لتحمّل الأمانة العظمى، أمانة الله التي أشفقت السماوات والارض والجبال من حملها، (إنّا عرضنا الأمانةَ على السّموات والأرضِ والجبالِ فأبينَ أن يحمِلنَها وأشفقنَّ منها، وحَمَلَها الإنسانُ إنّه كان ظَلوماً جهولا)(سورة الأحزاب/ 72).
والذين استعظموا اختيار الله البشر رسلاً نظروا إلى المظهر الخارجي للإنسان، نظروا إليه على أنه جسد يأكل ويشرب وينام، ويمشي في الأرض لتلبية حاجاته (وقالوا: ما لِهذا الرسولِ يأكُلُ الطَّعام ويمشي في الأسواقِ)(سورة الفرقان/ 7) ولم ينظروا إلى جوهر الإنسان، وهو تلك الروح التي هي نفخة من روح الله، (فإذا سوَّيتهُ، ونفختُ فيه من روحي فقعوا له ساجدينَ)(سورة الحجر/ 29). وبهذه الروح تميز الإنسان، وصار إنسانا، واستخلف في الأرض، وقد أودعه الله الاستعداد للاتصال به عن طريق تلك النفخة العلوية التي ميزته، فلا عجب أن يختار الله واحداً من هذا الجنس، صاحب استعداد للتلقي، فيوحي إليه ما يهدي به إخوانه إلى الطريق كلّما غام عليهم الطريق، وما يقدم به إليهم العون كلّما كانوا بحاجة إلى العون (وقالت لَهُم رُسُلُهُم إن نحنُ إلاّ بشرٌ مثلكم، ولكنَّ الله يمنُّ على من يشاءُ من عباده)(سورة إبراهيم/ 11).
ثمَّ إنّ الرسل يُعدّون إعدادا خاصّا لتحمُّل النبوة والرسالة ويصنعون صنعا فريدا (واصطنعتُكَ لِنفسي)(سورة طه/ 41)، واعتبر هذا بحال نبينا محمد (ص)، كيف رعاه الله وحاطه بعنايته على الرغم من يتمه وفقره (ألم يجدكَ يتيماً فآوى وَوَجدَكَ ضالاً فهدى وَوَجدكَ عائلاً فأغنى)(سورة الضحى/ 6_8) وقد زكّاه وطهّره وأذهب عنه رجس الشيطان.
ففي حديث الإسراء: "فرج سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل ففرج صدري، ثمَّ غسله بماء زمزم، ثمّ جاء بطست ممتلىء حكمة وإيمانا فأفرغها في صدري، ثمَّ أطبقه" متفق عليه.
لِمَ لَمْ يكن الرسل ملائكة؟
لقد كثر اعتراض أعداء الرسل على بعثة الرسل من البشر، وكان هذا الأمر من أعظم ما صدَّ الناس عن الإيمان، (ومَا منعَ النّاسَ أنْ يؤمِنوا إذ جاءَهُم الهُدى إلا أنْ قالوا أبَعَثَ اللهُ بشراً رَسُولاً)(سورة الإسراء/ 94) وعدوا اتباع الرسل بسبب كونهم بشرا فيما جاءوا به من عقائد وشرائع أمرا قبيحا، وعدُّوه خسرانا مبينا (ولَئنْ أطَعتُمْ بشراً مِثلَكُمْ إنَّكُمْ إذاً لخاسِرُونَ)(سورة المؤمنون/ 34)، وقد اقترح أعداء الرسل أن يكون الرسل الذين يبعثون إليهم من الملائكة يعاينونهم ويشاهدونهم، أو على الأقل يبعث مع الرسول البشري رسولا من الملائكة، (وقالَ الّذينَ لا يرجُونَ لقاءَنا لولا أُنزلَ علينا الملائكةُ أو نرى ربَّنا)(سورة الفرقان/ 21).
وعندما نتأمّل النصوص القرآنية يمكننا أن نردّ على هذه الشبهة من وجوه:
الأول: أن الله اختارهم بشرا لا ملائكة لأنّه أعظم في الابتلاء والاختبار، ففي الحديث القدسي الذي يرويه مسلم في صحيحه: "إنّما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك".
الثاني: أن في هذا إكراما لمن سبقت لهم منه الحسنى، فإن اختيار الله لبعض عباده ليكونوا رسلا تكريم وتفضيل، (أولئكَ الَّذينَ أنعمَ اللهُ عليْهِمْ مِنَ النَّبيينَ منْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وممَّنْ حملْنا مع نُوحٍ ومن ذُرِّيَّةِ إبراهيمَ وإسرائيلَ ومِمَّن هدَيْنا واجتبيْنا...)(سورة مريم/ 58).
الثالث: أنّ البشر أقدر على القيادة والتوجيه، وهم الذين يصلحون قدوة وأسوة، يقول المرحوم سيد قطب في هذا: "وإنها لحكمة تبدو في رسالة واحد من البشر إلى البشر، واحد من البشر يحسّ بإحساسهم، ويتذوق مواجدهم، ويعاني تجاربهم، ويدرك آلامهم وآمالهم، ويعرف نوازعهم وأشواقهم، ويعلم ضروراتهم وأثقالهم...، ومن ثمَّ يعطف على ضعفهم ونقصهم، ويرجو في قوتهم واستعلائهم، ويسير بهم خطوة خطوة، وهو يفهم ويقدر بواعثهم وتأثراتهم واستجاباتهم، لأنّه في النهاية واحد منهم، يرتاد بهم الطريق إلى الله، بوحي من الله وعون منه على وعثاء الطريق.
وهم من جانبهم يجدون فيه القدرة الممكنة، لأنّه بشر مثلهم، يتسامى بهم رويدا رويدا، ويعيش فيهم بالأخلاق والأعمال والتكاليف التي يبلغهم أنّ الله قد فرضها عليهم، وأرادها منهم، فيكون بشخصه ترجمة حيّة للعقيدة التي يحملها إليهم، وتكون حياته وحركاته وأعماله صفحة معروضة لهم، ينقلونها سطرا سطرا، ويحققونها معنى معنى، وهم يرونها بينهم، فتهفوا نفوسهم إلى تقليدها، لأنها ممثلة في إنسان".
الرابع: صعوبة رؤية الملائكة، فالكفار عندما يقترحون رؤية الملائكة، وأن يكون الرسل إليهم ملائكة _لا يدركون طبيعة الملائكة، ولا يعلمون مدى المشقة والعناء الذي سيلحق بهم من جراء ذلك.
فالاتصال بالملائكة ورؤيتهم أمر ليس بسهل، فالرسول (ص) مع كونه أفضل الخلق، وهو على جانب عظيم من القوة الجسمية والنفسية عندما رأى جبريل على صورته أصابه هول عظيم ورجع إلى منزله يرجف فؤاده، وقد كان (ص) يعاني من اتصال الوحي به شدّة، ولذلك قال في الردّ عليهم (يومَ يروْنَ الملائكةَ لا بُشرى يومئذٍ للمُجرمين)(سورة الفرقان/22)، ذلك أنَّ الكفار لا يرون الملائكة إلا حين الموت أو حين نزول العذاب، فلو قدّر أنّهم رأوا الملائكة لكان ذلك اليوم يوم هلاكهم.
فكان إرسال الرسل من البشر ضروريا كي يتمكنوا من مخاطبتهم، والفقه عنهم، والفهم منهم، ولو بعث الله رسله إليهم من الملائكة لما أمكنهم ذلك. (ومَا مَنَعَ النَّاس أنْ يؤمنوا إذ جاءَهُم الهُدى إلاّ أنْ قالوا أبَعَثَ اللهُ بشراً رسُولاً؟ قُلْ لو كان في الأرضِ ملائكةٌ مطمئنينَ لنزّلنا عليهم من السّماء ملكاً رسُولاً)(سورة الإسراء/94_95). أما وأن الذين يسكنون الأرض بشر فرحمة الله وحكمته تقتضي أن يكون رسولهم من جنسهم (لَقَدْ مَنَّ اللهُ على المؤمنينَ إذْ بعثَ فيهم رسُولاً من أنفسِهِم)(سورة آل عمران/ 164).
واذا كان البشر لا يستطيعون رؤية الملائكة والتلقي عنهم بيسر وسهولة فيقتضي هذا _لو شاء الله أن يرسل مَلكا رسولا إلى البشر _ أن يجعله رجلا (ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لجعلناهُ رَجُلاّ ولَلَبسْنا عليهم ما يلبِسون)(سورة الأنعام/9).
والتباس الأمر عليهم بسبب كونه في صورة رجل، فلا يستطيعون أن يتحققوا من كونه ملكا، وإذا كان الأمر كذلك فلا فائدة من إرسال الرسل من الملائكة على هذا النحو، بل إرسالهم من الملائكة على هذا النحو لا يحقق الغرض المطلوب، لكون الرسول الملك لا يستطيع أن يحس بإحساس البشر وعواطفهم وانفعالاتهم وإن تشكل بأشكالهم.
مقتضى بشريّة الأنبياء والرسل
ومقتضى كونهم بشرا أن يتصفوا بالصفات التي لا تنفكُّ عنها البشرية، فمن ذلك كونهم جسدا يحتاجون لما يحتاج إليه البشر من الطعام والشراب، ويحدثون كما يحدث البشر، لأنَّ ذلك من لوازم الطعام والشراب، (وما أرسلنا قبلكَ إلاّ رجالاً نوحي إليهم، فاسْألوا أهلَ الذِّكرِ إن كُنْتُمْ لا تعْلَمونَ، ومَا جعلْناهُم جسداً لا يأكُلُونَ الطَّعام وما كانوا خالدينَ)(سورة الأنبياء/ 7-8).
ومن ذلك أنهم ولدوا كما ولد البشر، لهم آباء وأمهات، وأعمام وعمات، وأخوال وخالات، يتزوجون ويولد لهم، (ولَقَدْ أرسلْنا رُسُلاً مِنْ قَبلكَ، وجَعَلْنا لَهُمْ أزواجاً وذُريَّة)(سورة الرعد/ 38).
ويصيبهم ما يصيب البشر من أعراض، فهم ينامون ويقومون، ويصحون ويمرضون، ويأتي عليهم ما يأتي على البشر وهو الموت، فقد جاء في ذكر إبراهيم خليل الرحمن لربّه: (والذي هو يُطْعِمُني ويَسْقينِ، وإذا مَرِضْتُ فُهوَ يشفينِ، والّذي يُميتُني ثُمَّ يُحْيينِ)(سورة الشعراء/ 79_81). وقال الله لعبده ورسوله محمد(ص): (إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهُمْ مَيّتونَ)(سورة الزمر/ 30). وقال مبينا أنّ هذه سنته في الرسل كلهم: (وما مُحَمَدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خلتْ مِنْ قبلهِ الرُّسُلُ، أفإنْ ماتَ أو قُتِلَ انقلبتُمْ على أعقابِكُمْ)(سورة آل عمران/144).
وقد صحّ أنَّ الرسول (ص) قال لأمّ سليم: "يا أم سليم، اما تعلمين أني اشترطت على ربي، فقلت: إنّما أنا بشر؛ أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر، فأيّما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل، أن يجعلها طهورا وزكاة وقربة يقربه بها منه يوم القيامة".
تعرض الأنبياء للبلاء
ومن مقتضى بشرية الرسل أنّهم يتعرضون للابتلاء كما يتعرض البشر، فقد يسجنون كما سجن يوسف (لَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنينَ)(سورة يوسف/42) وقد يصيبهم قومهم بالأذى وقد يدمونهم، كما أصابوا الرسول (ص) في معركة أحد فأدموه، وكسروا رباعيته، وقد يخرجونهم من ديارهم كما هاجر إبراهيم من العراق الى الشام، وكما هاجر نبينا محمد (ص) من مكة إلى المدينة، وقد يقتلونهم (أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بما لا تَهْوى أنفُسُكُم استكبرتُم ففريقاً كذَّبتُم وفريقاً تَقْتُلونَ)(سورة البقرة/ 87) وقد يصابون بالأمراض، كما ابتلى الله نبيّه أيوب فصبر. وكان من ابتلائه أن ذهب أهله وماله، وكان ذا مال وولد كثير، (وأيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مسنيَ الضُّرُّ وأنتَ أرحمُ الرَّاحمينَ، فاستجبنا لَهُ، فكشفنا ما بهِ من ضُرٍّ، وآتيناهُ أهلَهُ ومِثلهُمْ مَعَهُمْ رحْمةً منْ عندنا وذكرى للعابدين)(سورة الأنبياء/ 83_84).
والأنبياء لا يصابون بالبلاء فحسب، بل همّ أشدُّ الناس بلاءً، فعن الصعب ابن سعد عن أبيه قال: قلت لرسول الله (ص): أيُّ الناس أشدُّ بلاءً؟ قال: الأنبياء، ثمَّ الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبا اشتدّ بلاؤه، وإن كان في دينه رقّة ابتلي عن حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة".
اشتغال الأنبياء بأعمال البشر
ومن مقتضى بشريتهم أنهم قد يقومون بالأعمال والأشغال التي يمارسها البشر، فمن ذلك اشتغال الرسول (ص) بالتجارة، قبل البعثة، ومن ذلك رعي الأنبياء للغنم، ومن الأنبياء الذين نصَّ القرآن على أنّهم رعوا الغنم نبيّ الله موسى عليه السلام، فقد عمل في ذلك عدّة سنوات، فقد قال له العبد الصالح: (إني أُريدُ أنْ أُنكِحكَ احدى ابنتيَّ هاتيْنِ على أنْ تأجُرني ثماني حججٍ، فإنْ أتمَمْتَ عشراً فمِنْ عِندكَ، وما أُريدُ أنْ أشقَّ عليكَ ستجدني إنْ شاءَ الله من الصّالحين، قال ذلكَ بيني وبينَكَ أيَّما الأجلين قضَيْتُ فلا عُدوانَ عليَّ، واللهُ على ما نقولُ وكيلٌ)(سورة القصص/ 27_28) قال ابن حجر: والذي قاله الأئمة ان الحكمة في رعاية الأنبياء للغنم ليأخذوا أنفسهم بالتواضع، وتعتاد قلوبهم بالخلوة، ويترقوا من سياستها إلى سياسة الأمم.
ومن الأنبياء الذين عملوا بأعمال البشر داود عليه السلام، فقد كان حدّادا يصنع الدروع، قال تعالى: (وعلَّمْناهُ صَنْعةَ لبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بأسِكُمْ فهلْ أنتُمْ شاكرونَ)(سورة الأنبياء/ 80)، كان حدادا، وفي نفس الوقت كان ملكا، وكان يأكل مما تصنعه يداه.
ونبيّ الله زكريا كان يعمل نجّارا.
ليس فيهم شيء من خصائص الألوهية والملائكية
ومقتضى كونهم بشرا أنهم ليسوا بآلهة، وليس فيهم من صفات الألوهيّة شيء، ولذلك فإنّ الرسل يتبرءون من الحول والطول ويعتصمون بالله الواحد الأحد، ولا يدعون شيئا من صفات الله تعالى، قال تعالى مبينا براءة عيسى مما نسب إليه: (وإذْ قالَ اللهُ يا عيسى بنَ مريمَ أأنتَ قُلْت للنّاسِ اتَّخذوني وأمِّيَ إلهينِ مِنْ دونِ اللهِ؟ قالَ: سُبْحانكَ ما يكُونُ لي أنْ أقولَ ما ليْسَ لي بحقٍّ، إن كُنتُ قلتهُ فقدْ علِمتهُ، تعلمُ ما في نفسي، ولا أعلَمُ ما في نفسكَ إنَّك أنتَ علاّمُ الغُيوبِ، ما قُلْتُ لَهُمْ إلا ما أمرتني بِهِ أن اعبُدوا الله ربِّي وربَّكُم، وكُنْتُ عليهم شهيداً ما دُمْتُ فيهمْ، فلمّا توفيتني كُنْتَ أنتَ الرَّقيبَ عليهِمْ، وأنْتَ على كُلِّ شيءٍ شهيدٌ)(سورة المائدة/ 116_117).
هذه مقالة عيسى في الموقف الجامع في يوم الحشر الأكبر، وهي مقولة صدق تنفي تلك الأكاذيب والترهات التي وصف بها النصارى عبد الله ورسوله عيسى فطائفة قالت: الله هو المسيح بن مريم حلّ في بطن مريم (لَقَدْ كَفَرَ الّذينَ قالوا إنَّ اللهُ هُوَ المسيحُ ابنُ مرْيَمَ)(سورة المائدة/ 72) وأخرى قالت هو ثالث ثلاثة (لقدْ كَفَرَ الذينَ قالوا إن الله ثالثُ ثلاثةٍ)(سورة المائدة/ 73) وطائفة ثالثة قالوا هو ابن الله تعالى الله عما يقولون علوّا كبيرا (وقالوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ ولداً، لَقَدْ جئتُمْ شيئاً إدّا...)(سورة مريم/88-89).
الكمال البشري
لا شك أن البشر يتفاوتون فيما بينهم تفاوتا كبيرا في الخلق والخُلق، والمواهب، فمن البشر القبيح والجميل وبين ذلك، ومنهم الأعمى والأعور والمبصر بعينيه، والمبصرون يتفاوتون في جمال عيونهم وفي قوة ابصارهم، ومنهم الأصم والسميع وبين ذلك، ومنهم ساقط المروءة ومنهم ذو المروءة، والهمة العالية.
ولا شكّ أنّ الأنبياء والرسل يمثلون الكمال الانساني في أرقى صوره، ذلك أنّ الله اختارهم واصطفاهم لنفسه، فلا بدّ أن يختار أطهر البشر قلوباً، وأزكاهم اخلاقاً، وأجودهم قريحة، (اللهُ أعلمُ حيثُ يجعلُ رسالتَهُ)(سورة الأنعام/ 124).
الكمال في الخلقة الظاهرة
لقد حذرنا الله تعالى من إيذاء الرسول (ص) كما آذى بنو إسرائيل موسى، (يا أيُّها الَّذينَ آمنوا لا تَكُونوا كالَّذينَ آذوْا مُوسى فبرَّأهُ اللهُ مِمّا قالوا وكانَ عِندَ اللهِ وجيهاً...)(سورة الاحزاب/69).
وقد بين لنا رسولنا (ص) أن ايذاء بني إسرائيل لموسى كان باتهامهم إياه بعيب خلقي في جسده، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله(ص): "إنّ موسى كان رجلاً حييّا ستيرا لا يرى من جلده شيء استحياءً منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يستتر هذا التستر إلا من عيب بجلده: إمّا برص، وإمّا أدرة، وإمّا آفة، وإنّ الله أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى، فخلا يوما وحده، فوضع ثيابه على الحجر ثمَّ اغتسل، فلمّا فرغ، أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإنَّ الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه عريانا أحسن ما خلق الله، وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر، فأخذ ثوبه فلبسه، وطفق بالحجر ضربا بعصاه، فوالله إنّ بالحجر لندْباً من أثر ضربه، ثلاثا أو أربعا أو خمسا، فذلك قوله: (يا أَيُّها الذينَ آمنوا لا تكونُوا كالّذينَ آذوْا موسى، فبرّأهُ اللهُ مِمّا قالوا، وكانَ عِنْدَ اللهِ وجيهاً)(سورة الأحزاب/ 69).
الصور الظاهرة مختلفة
ليس معنى كون الرسل أكمل الناس أجساما أنهم على صفة واحدة وصورة واحدة، فالكمال الذي يدهش ويعجب متنوع وذلك من بديع صنع الواحد الأحد وكمال قدرته.
وقد وصف لنا الرسول (ص) بعض الأنبياء والرسل، يقول (ص): "ليلة أسري بي رأيت موسى وإذا هو رجل ضَرب من الرجال كأنه من رجال شنوءة".
وقال في عيسى: "ليس بيني وبينه نبيّ، وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، رجل مربوع، إلى الحمرة والبياض، ينزل بين ممصرتين، كأن رأسه يقطر، وإن لم يصبه بلل".
وقد وصف لنا الصحابة رسولنا (ص) فمن ذلك قولهم: "كان أحسن الناس.. ربعة، إلى الطول ما هو، بعيد ما بين المنكبين، أسيل الخدين، شديد سواد الشعر، أكحل العينين، أهدب الأشفار، إذا وطىء بقدمه وطىء بكلها، ليس له أخمص، إذا وضع رداءه عن منكبيه فكأنّه سبيكة فضة".
الكمال في الأخلاق
لقد بلغ الأنبياء في هذا مبلغا عظيما، وقد استحقوا أن يثني عليهم ربّ الكائنات فقد أثنى الله على خليله إبراهيم عليه السلام فقال: (إنّ إبراهيمَ لحليمٌ أوّاهٌ منيبٌ)(سورة هود/75).
وقالت ابنة العبد الصالح تصف موسى: (يا أبتِ استأجرهُ إنَّ خيرَ من استأجرتَ القويُّ الأمينُ)(سورة القصص/26).
واثنى الله على إسماعيل عليه السلام بصدق الوعد، (واذكُرْ في الكتابِ إسماعيلَ إنّهُ كانَ صادقَ الوعْدِ وكانَ رسولاً نبياً)(سورة مريم/54).
وأثنى الله _جلّ جلاله _ وتقدست أسماؤه _على خلق نبينا محمد _ (ص) ثناءً عطرا، فقال: (وإنّكَ لعلى خُلُقٍ عظيمٍ)(سورة القلم/ 4).
فقد وصف الله _سبحانه _ خلق نبينا محمد (ص) بأنّه عظيم، وأكّد ذلك بثلاثة مؤكدات: أكدَّ ذلك بالإقسام عليه بنون والقلم وما يسطرون، وتصديره بإنّ، وادخال اللام على الخبر.
ومن خلقه الكريم (ص) الذي نوه الله به ما جبله عليه من الرحمة والرأفة (لَقَدْ جاءَكُمْ رسولٌ مِنْ أنفسِكُم عزيزٌ عليهِ ما عَنتُّمْ حريصٌ عليكُمْ بالمؤمنينَ رؤوفٌ رحيمٌ)(سورة التوبة/128).
وقد كان لهذه الأخلاق أثر كبير في هداية الناس وتربيتهم، هذا صفوان بن أميّة يقول: لقد أعطاني رسول الله (ص) ما أعطاني وإنه لأبغض خلق الله إليّ فيما زال يعطيني حتى إنّه من أحبّ الناس إليّ "رواه مسلم في صحيحه".
ولو لم يتصف الرسل بهذا الكمال الذي حباهم الله به لما انقاد الناس لهم، ذلك أن الناس لا ينقادون عن رضا وطواعية لمن كثرت نقائصه، وقلت فضائله.
خير الناس نسبا
الرسل ذوو أنساب كريمة، فجميع الرسل بعد نوح من ذريته، وجميع الرسل بعد إبراهيم من ذرية إبراهيم، قال تعالى: (ولقَدْ أرسلنا نوحاً وإبراهيمَ، وجعلنا في ذُرّيتهِما النُّبوَّةَ والكتاب...)(سورة الحديد/ 26).
ولذلك فإنّ الله _سبحانه _ يصطفي لرسالته من كان خيار قومه في النسب.
وفي مسند أحمد وسنن الترمذي عن الرسول (ص)، قال: "أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إنّ الله _تعالى _ خلق الخلق فجعلني في خيرهم، ثم جعلهم فرقتين فجعلني في خيرهم فرقة، ثمّ جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة، ثمّ جعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا، فأنا خيركم بيتا، وخيركم نفساً".
أحرار بعيدون عن الرق
ومن صفات الكمال أنّ الأنبياء لا يكونون أرقاء يقول السفاريني في هذا: "الرقّ وصف نقص لا يليق بمقام النبوة، والنبي يكون داعيا للناس آناء الليل وأطراف النهار، والرقيق لا يتيسر له ذلك، وأيضا الرقيّة وصف نقص يأنف الناس ويستنكفون من اتباع من اتصف بها، وأن يكون إماما لهم وقدوة، وهي أثر الكفر، والأنبياء منزهون عن ذلك".
المواهب والقدرات
الأنبياء أعطوا العقول الراجحة، والذكاء الفذ، واللسان المبين، والبديهة الحاضرة، وغير ذلك من المواهب والقدرات التي لا بدّ منها لتحمل الرسالة ثم ابلاغها ومتابعة الذين تقبلوها بالتوجيه والتربية.
لقد كان الرسول (ص) يحفظ ما يلقى إليه ولا ينسى منه كلمة (سَنُقْرئُكَ فلا تَنسى)(سورة الأعلى/ 6).
وقد كانوا يعرضون دين الله للمعارضين ويفحمونهم في معرض الحجاج، وفي هذا المجال أسكت إبراهيم خصمه (فبُهتَ الذي كفرَ واللهُ لا يهدي القومَ الظّالمينَ)(سورة البقرة/ 258) وقال الله معقبا على محاججة إبراهيم لقومه: (وتلكَ حجّتُنا آتيناها إبراهيمَ على قومهِ، نرفعُ درجاتٍ من نشاءُ)(سورة الأنعام/ 83).
وموسى كان يجيب فرعون على البديهة حتى انقطع، فانتقل إلى التهديد بالقوة (قالَ فرعونُ وما ربُّ العالمين؟ قالَ ربُّ السّمواتِ والأرضِ وما بينهُما إن كُنتُمْ موقنينَ، قال لِمنْ حولَهُ ألا تستمعونَ! قالَ ربُّكمْ وربُّ آبائِكُمُ الأوّلينَ، قال إنّ رَسُولكُمُ الذي أرسلَ إليكم لمجنونٌ، قالَ ربُّ المَشْرقِ والمغْربِ وما بينهُما إن كُنتُمْ تعقلونَ، قال لئنْ اتّخذت إلهاً غيري لأجعلنّك من المسجونينَ)(سورة الشعراء/ 23_29).
تحقيق العبودية
بينا الكمال الذي حبا الله به رسله في صورهم الظاهرة، وأخلاقهم الباطنة، والمواهب والسجايا التي أعطاهم إياها في ذوات أنفسهم، وهناك نوع آخر من الكمال وفق الله رسله وأنبياءه لتحصيله، وهو تحقيق العبودية لله في أنفسهم.
فكلّما كان الإنسان أكثر تحقيقا للعبودية لله تعالى، كلّما كان أكثر رقيّا في سلّم الكمال الإنساني، وكلما ابتعد عن تحقيق العبودية لله كلما هبط وانحدر.
والرسل حازوا السبق في هذا الميدان، فقد كانت حياتهم انطلاقة جادة في تحقيق هذه العبودية، وهذا خاتم الرسل وسيد المرسلين يثني عليه ربّه في أشرف المقامات بالعبودية، فيصفه بها في مقام الوحي (فأوحى إلى عبدهِ ما أوحَى)(سورة النجم/10) وفي مقام إنزال الكتاب (تباركَ الّذي نزَّلَ الفُرقانَ على عبدهِ ليكونَ للعالمين نذيراً)(سورة الفرقان/ 1). وفي مقام الدعوة (وأنّهُ لمّا قامَ عبدُ الله يدْعُوهُ)(سورة الجن/19) وفي مقام الإسراء (سُبْحانَ الذي أسرى بِعبدهِ ليلاً من المسجدِ الحرامِ إلى المسجدِ الأقصى الذي باركنا حَولَهُ...)( سورة الإسراء/1) وبهذه العبودية التامة استحق صلوات الله وسلامه عليه التقديم على الناس في الدنيا والآخرة.