ضرورة علم اجتماع اسلامي
الدعوة الى "علم اجتماع اسلامي" نظرياً وعمليا بدل "أسلمة علم الإجتماع" قد تبدو من ضرب الخيال إن لم تكن من المحال، بل قد يعتبرها البعض من قبيل العنتريات الفكرية التي تذوب وتتبخر داخل جدران المحاضرات. وهذا رأي صحيح إلى حد ما لسبب بسيط وهو أن "علم الإجتماع الاسلامي" لازالت معالمه لم تتضح حتى للمختصين، ناهيك عن غيرهم. هناك اساتذة يدرسون أدبيات علم الاجتماع الغربي في الجامعات الإسلامية ومن ثم فهم مروجو تلك الأفكار والنظريات وحتى "المبدعين" منهم إذا حللوا ظاهرة اجتماعية تحليلاً سوسيولوجيا لابد وأن يكون التحليل غربيا محضاً، بل هم يناضلون من أجل إخضاع الإسلام للتحاليل الإجتماعية المادية المحضة.
منذ سنوات قليلة بدأت الرؤية الاسلامية تشق طريقها على وجل، وبدأ بعض الاساتذة الاسلاميين يتناولون مشكلة أسلمة المعارف بشكل عام ولكن الملاحظ أن علم الاجتماع لم يحظ بنصيب أوفر بالرغم من أنه حالياً _وهذه فرضيتي على كل حال _ أهم العلوم الاجتماعية التي يجب أن تحظى بأسبقية وعناية الاسلاميين، لما له من قدرة تحليلية شاملة يمكن استغلالها لأغراض شتى.
***
إن الهدف الأساسي من إيجاد "علم إجتماع إسلامي" هو صياغة وتوضيح النظرية الإجتماعية الاسلامية، فالإسلام نظام اجتماعي شامل وكامل، بل هو فريد من نوعه وليس هناك نظاماً يشبهه، وإذا إستثنينا بعض الأحكام الأخلاقية الخاصة بالأفراد أو بعض العبادات التي قد يبدو لأول وهلة أنها ليست اجتماعية، كالصوم والصلاة، وإن كانت في نتائجها وتبعاتها إجتماعية، فكل العبادات إجتماعية: الزكاة والحج، الزواج والطلاق.. الخلافة، وفي نهاية المطاف الأمة التي هي وسيلة وغاية في نفس الوقت. ولكن النظام الإجتماعي الإسلامي يرتكز على ركيزة واحدة ووحيدة هي الله سبحانه وتعالى. فالتوحيد بكل ما تقتضيه هذه الكلمة من عظمة وجلال، هو العمود الفقري للنظرية الإجتماعية الإسلامية. فوحدانية الله سبحانه وتعالى تتراءى في وحدة الناس بالرغم من اختلاف ألوانهم وألسنتهم وطاقاتهم العقلية وأصولهم البيولوجية، فهم جميعاً من آدم وآدم من تراب، والأمة الإسلامية لا تتكون من أصول عرقية أو قومية أو جغرافية أو تاريخية.. وليست وقفاً على شعب معين أو سلالة خاصة فهي عبارة عن مجموعة شعوب وأمم ودول ذات عقيدة واحدة و "أيديولوجيات" عدة وبالتالي فهي مفتوحة لكل الناس شريطة أن يؤمنوا بالله رباً وبالإسلام ديناً يقول تعالى (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) (الحجرات: 13).
إن النظام الاجتماعي الاسلامي يتجسد كلية في الأمة الواحدة، يقول سبحانه وتعالى: (إنّ هذه أمتكُم أمّة واحدة وأنا ربكُم فاعبدون) (الانبياء: 92). ويقول سبحانه وتعالى: (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكُم واتقوا الله لعلَكُم ترحَمُون) (الحجرات: 15).
***
إن أهمية علم اجتماع اسلامي ضرورة حتمية أكثر من أي وقت مضى، فالأمة الإسلامية ممزقة إن لم نقل لا وجود لها من حيث الإرادة السياسية والإجتماعية. فهي عبارة عن "دويلات" متخلفة فكرياً وإقتصادياً، وسياسياً، وتكنولوجياً، وعلمياً، بالإضافة إلى كونها متناحرة متنافرة. هنا قد يقوم علم الإجتماع الإسلامي بدور ووظيفة لا تعوضان، بحيث يكون أحد العوامل والعناصر المساعدة على التئام وتوحد الأمة وبالتالي إستعادة مكانتها الهادية بالقيام بأهم دور فرضه الله عليها وميزها به حيث قال عز من قائل: (كُنتم خيرَ أمّةٍ أخرجَت للناسِ تأمرونَ بالمعروفِ وتنهونَ عن المنكرِ وتؤمنونَ بالله) (آل عمران:115) وذلك بكشف المشاكل الاجتماعية وتحليلها، وايجاد الحلول الناجعة لها، فعلم الاجتماع الاسلامي يهتم إهتماماً كلياً بمشاكل الإنسان، في واقع اجتماعي معقد بما فيه الكفاية، ومتعدد الأبعاد، ولكنه ليس حرباً على الإنسان كما صورته الفلسفات الاجتماعية الغربية، وأيضاً فهو ليس قومياً يمعنى يخدم قومية ضد أخرى، أو يعمل على تقدم قومية معينة لتكون هي السائدة، وليس تقدمياً،، إذا فهمت التقدمية على أنها خروج عن السنن والقوانين الإلهية وتخل كامل عن شريعة الله، أما إذا كانت التقدمية تعني خروج الإنسان من الجهل والفقر المادي والروحي، والإبتعاد عن الإستعباد والطاغوت، والإبتعاد عن عبادة الأوثان الحية والميتة، بكلمة واحدة إذا كانت التقدمية ضد الجاهلية فعلم الاجتماع الاسلامي يسعى الى ذلك، ومن ثم فعلم الإجتماع هذا يختلف تماماً عن العلوم الإجتماعية الأخرى التي تتفق في النهاية على أن الغاية من علم الإجتماع مهما تعددت الأسماء، هي الوصول بطريقة علمية الى "مشروعية التصورات المادية للعالم".
ان المهمة الكبيرة لعلم الإجتماع الإسلامي هي قلب التصورات الفكرية والنظريات المنتشرة في أنحاء العالم عن الواقع الإجتماعي وعن الإنسان، فالسنن والقوانين الإجتماعية التي تُسير المجتمع، أي مجتمع، هي من عند الله لأن الطبيعة لم توجد لوحدها بل لها خالق سبحانه وتعالى. والإنسان مهما أوتي من عبقرية فهو مخلوق وعبد الله، طبعاً هذا شيء بدهي لمن أتاه الله الإيمان، ولكن هذه الحقائق نُسيت من طرف الذين طغت عليهم المادة.
عملية خلخلة الواقع الفكري والتصورات الفكرية الخاطئة ليست سهلة لأنها أكثر مقاومة وصعوبة حتى من الواقع السياسي. للوصول إلى هذه الغاية لابد من جمع كل الجهود وذلك "بأسلمة" العلوم الإجتماعية لنمرّ إلى مرحلة أكثر إيجابية وهي "إسلامية" المعرفة وخاصة علم الاجتماع. فهو يكاد يكون الحلقة المفقودة في بناء التخصصات الإسلامية الأخرى، لذلك أميل إلى الإعتقاد بأن أهميته تنمو بسرعة، والحاجة إليه أيضاً لكونه يهتم أصلا بواقع المجتمعات ومشاكلها الآنية والمستقبلية. ولكي تظهر معالم علم الإجتماع الإسلامي، لابد من الحديث عن الأصول الإجتماعية لعلم الإجتماع وهو أصلاً علم مقارن.
أصول علم الإجتماع:
صحيح أن تاريخ علم الإجتماع لم يكتب حتى الآن وذلك لأسباب متعددة لا تهم هنا بالدرجة الأولى، ولكن المهم هنا هو ما يسمى بالتحليل السوسيولوجي لعلماء الإجتماع. هذه المحاولات تبرز أن هذه العملية ضرورة حيوية، ومزية تتجلى في كونها تكشف قصور وأخطاء علم الإجتماع الفكرة والإستولوجية، وتكشف أيضا غرور وتهور بعض علماء الاجتماع الذين يحاولون تطبيق المذهب المادي والتفسيرات المادية على كل الظواهر الإجتماعية حتى التي ترفض ذلك رفضاً قاطعاً مثل الأديان السماوية وخاصة الإسلام. وخطأ هذه التحاليل يكمن في كونها تؤكد وتناضل من أجل اعتبار الأديان ظواهر اجتماعية ثقافية، تنمو وتتطور في الزمان والمكان كباقي الظواهر الأخرى وبالتالي فهي متغيرة ومن ثم، فهي قد يتجاوزها الفكر الإنساني والتاريخ.
هذه النظريات المنتشرة حالياً في علوم الاجتماع وخاصة علم الاجتماع الديني غير مقبولة تماماً بالنسبة لعلم الاجتماع الاسلامي، فالدين الاسلامي خاصة ليس ظاهرة ثقافية خاصة بالعرب. صحيح أن القرآن الكريم أنزله الله سبحانه وتعالى (بلسان عربي مُبين) (الشعراء: 195) وعلى نبي عربي، محمد (ص)، وفي مكان معين: هو جزيرة العرب، ولكنه للناس كافة، وليس لعبد أو لشعب أو "لطبقة" أو لجنس أو سلالة، يقول تعالى: (وما أرسلناكَ إلا كافة للناس، بشيراً ونذيراً ولكن أكثرَ النّاس لا يعلمونَ) (سبأ: 28). أضف إلى ذلك أن الظواهر الثقافية مهما كانت قوتها وحداثتها وجدتها فهي متغيرة متطورة وفي النهاية منقرضة لأنها لا تصلح لزمان غير زمانها ولا لأناس غير الذين ابتكروها، ومهما كانت عالميتها فهي نسبية ضرورة لأنها من إختراع بشر. وحتى إن تبناها قوم آخرون فقد لا توافقهم بحكم أنها تحمل في داخلها بصمات منتجيها.
***
القول بأن الملاحظة المجردة تخبر بأن كل الدول الإسلامية متخلفة، وهذا واقع لا مراء فيه، شيء، واتهام الإسلام بأنه عامل تخلف شيء آخر. هنا يكون دور علم إجتماع إسلامي حاسماً، سواء على المستوى النظري والتطبيقي، وكذا طرق البحث، فوضع السؤال أكثر أهمية من الجواب. وبحث موضوع دون آخر له أسباب نفسية وايديولوجية، باطنية أو ظاهرية، وبالتالي فالنظرة الإسلامية المتحركة داخل إطار "معرفي إسلامي" مشبع بالمبادىء الإسلامية الكلية، كالتوحيد ووحدة الإنسانية، ووحدة المعرفة، وأن الله سبحانه وتعالى هو الذي يتصرف في كل شيء، وأن الإنسان عبد الله، حر مسؤول وأن الإطار الإجتماعي هو الأمة وليس الدولة القومية، والإطار السياسي هو الخلافة وليست الجمهوريات أو الملكيات... كل هذه المبادىء تحدد الوسائل والغايات ومن ثم يمكن تسمية "علم الإجتماع الإسلامي"، "علم إجتماع الأمة".
ولإدراك ما نقصد "بعلم إجتماع الأمة" سأحاول ذكر بعض المبادىء العامة التي تمركز حولها الفكر السوسيولوجي، بالرغم من أنها تتلخص في كلمة واحدة هي: التقدم. والفكرة لها أربع مسلمات:
أ_ التقدم ضرورة حتمية.
ب_ أهم ميزة للتقدم هي إسعاد الإنسان.
ج_ بمرور الزمان تتضاءل مشاكل الإنسانية.
د_ إن سلوك الإنسان يميل إلى المعقولية أكثر فأكثر.
وخرافية هذه المسلمات لا تحتاج إلى مناقشة أو توضيح، فعلماء الإجتماع الغربيون يقولون ذلك بأنفسهم بالرغم من أن المهتمين بعلم الإجتماع في البلاد العربية لازالوا معجبين إن لم نقل مفتونين بهذه الأفكار. بل أكثر من ذلك هناك من يطالب باسم "المناهج العلمية الحديثة" بإعادة النظر في كل شيء، وخاصة القرآن الكريم والسنة الشريفة. ولقد ذهب بعضهم إلى أبعد حد إذ قام عملياً ببحث ما أسماه كذباً "مشكلة أصالة قدسية القرآن" وهو يعتبر هذه المهمة دليلاً على خصوبة الفكر وحيويته؛ ليس فقط على صعيد الفكر الإسلامي؛ بل على صعيد الفكر العالمي. وإضفاء العالمية على فكر مثل هذا ليس إلا محاولة لذر الرماد في العيون وتضبيب القضية حتى تمر وتصبح "علمية" يجب إدخالها في البرامج الدراسية الجامعية، بالإضافة إلى ذلك؛ فهو يحاول جاهداً وضع الإسلام والمسيحية واليهودية في كفة واحدة بالرغم من الإختلاف الإجتماعي والتاريخي لكل منها. بل يهدف صراحة إلى دراسة القرآن كباقي الكتب المقدسة "من حيث هي معطى لغوي وعامل تاريخي واقعيين وليس من حيث (هو) آخر رسالة نسخت أو أكملت ما بعدها". كل هذا باسم العلوم الإجتماعية والإنسانية وعلى التحديد علم الإجتماع وعلم الإنسان.
فإيجاد علم اجتماع إسلامي منتج، مبدع، من واجبه أن يهمش كل هذه الأكاذيب والمحاولات، ذلك أنه يعالج كل القضايا الاجتماعية في العالم من وجهة نظر إسلامية، بالإضافة إلى معالجة المشاكل الخاصة والعامة التي تخص الأمة الإسلامية وهي متعددة ومتنوعة. زيادة على ذلك فالمهمة الأساسية لسوسيولوجيا إسلامية هي دراسة الواقع الإسلامي المريض، لتنقيته من البدع والخرافات والأفكار التي تسربت إليه عبر القرون وخاصة القرنين الأخيرين. فمعرفة الواقع الاجتماعي ليست سهلة لأن الواقع الحقيقي كثيراً ما يختفي وراء الواقع المزيف أو الخيالي أو الذي يجب أن يكون، لذلك فمحاور علم الاجتماع الإسلامي متعددة ومتشابكة فهو من جهة يهدف إلى العالمية من حيث النظرة الإسلامية كما أنه يتفاعل مع الفكر الإنساني، علاوة على أن مهماته متعددة، فهو نقدي جدلي، نابع لا تابع، ابتكاري النزعة والإتجاه، ملتزم إلتزاماً كاملاً بالمبادىء الكلية للإسلام.
صحيح أن كثيراً من المؤسسات والممارسات الإجتماعية التي توجد وتحسب على الإسلام، فيها من الأساطير والخرافات والاعتقادات المنحرفة مالا يرضى عنه الإسلام، ولا يقبله، فالبدع والضلالات والإنحرافات قد عولجت فيما مضى بعناية متناهية من طرف علماء هذه الأمة مثل الشاطبي وابن تيمية وابن القيم وابن خلدون.. فهذه الأوهام الإجتماعية والفكرية هي ميدان علم الإجتماع الإسلامي، لأني أعتقد أن العلوم الإجتماعية أكثر قدرة في فهم وتحليل هذه المواضيع الإجتماعية بالدرجة الأولى أكثر من غيرها. ولكن المشكل الحقيقي هو أن على العلم الجديد إختراع وإيجاد كل شيء من النظرية إلى طرق البحث والمعالجة، إلى النظرة العميقة غير المستلبة. لأن علم الإجتماع الإسلامي يختلف عن غيره من حيث هو يهدف ويسعى إلى إعادة تطبيق الشريعة الإسلامية وخاصة في النظام الإجتماعي أو النظم الإجتماعية التي تفرزها "المجتمعات الإسلامية". بمعنى آخر فهو ليس كباقي العلوم الساعية إلى فصل الدين عن المجتمع والنضال من أجل ذلك فهو يعكس المسألة، وهنا تكمن الصعوبة، وفي نفس الوقت الأهمية البالغة، خصوصاً وأن "المجتمعات الإسلامية" تميل أكثر فأكثر إلى النظم الإجتماعية اللادينية.
***
ما ينبغي التأكيد عليه بقوة هو أن علم الإجتماع وباقي فروعه، كما يمارس حالياً في الغرب ومن حيث هو نموذج مرجعي لباقي التحاليل الأخرى بالرغم من قيمته التحليلية والإجرائية، لا يمكن إعتماده أو الركون إليه نموذجاً علمياً لتحليل وتشريح مشاكل الأمة الإجتماعية. لأنه وليد أطر إجتماعية مختلفة من حيث العقيدة والهدف والمثال والنماذج التي يُريد بناءها. لذلك أسلمة علم الإجتماع كما حاولت وصف ما يعني ذلك قد لا تفيد هنا. فالمطلوب علم إجتماع إسلامي نابع كلية من قضايا الإسلام فهماً وتحليلاً، آنياً ومستقبلياً، فكراً وممارسة، وبالتالي فهو يستطيع حينئذ منافسة النظم التحليلية الأخرى بكامل الحرية والثقة. أما أن يكون كما هي العادة في الدراسات الجامعية _مكتفيا بنقل وتطبيق مناهج وأطر فكرية أنشئت داخل بيئة إجتماعية وثقافية مختلفة تماماً بل متناقضة كلية مع المجتمع الإسلامي المنشود، فذلك شيء لا أرى له أية أهمية ولا حتى ضرورة، إذ يكفي تطبيق نظريات الغرب الإجتماعية وهي بلغت الشيء الكثير من الفنية والدقة والشمولية، للحكم على مجتمعاتنا بأنها كذا وكذا.. ولكن الواقع والتجربة والممارسة كلها أدانت هذه النظرة الأخيرة، بالرغم من كل الجهود الفكرية والأيديولوجية التي حُشدت لذلك ولا تزال. فهي مضيعة للوقت والجهد والحياة. ولهذا فالمسألة التي يجب أن نعيها جميعاً هي أن البداية تحدد النهاية إلى حد كبير وإن كانت الأبحاث العلمية تمر بفرضيات ليس من الضروري صحتها منذ البداية، ولكنها تتعدل خلال سير وإجراء البحث فهي عملية بلا شك ديكالكتيكية، ولكن هنا لا أرى أية ضرورة لذلك.
خصائص وأهداف علم الإجتماع الإسلامي
لكل أمة خصائص تميزها عن سواها، وأهم خاصية تمتاز بها الأمة الإسلامية هي التوحيد والإيمان، وكل المميزات الأخرى هي نتيجة منطقية وتطبيقات فكرية وعملية واجتماعية، يقول سبحانه وتعالى: (فاعلَم أنّه لا إله إلاّ الله واستغفر لذبنِكَ وللمؤمنينَ والمُؤمناتِ. والله يُعلمُ متقلّبكُم ومثواكم).
فالله سبحانه وتعالى واحد أحد هو الخالق الرزاق يتصرف في ملكه كما يشاء، له الملك وله الحمد، ووحدة الناس والقوانين الطبيعية والإجتماعية كلها من تدبيره. صحيح أن الإنسان حر مسؤول ولكن حريته هبة من عند الله وإبتلاء في نفس الوقت، وهذه الحرية هي أحد عناصر تكريم الإنسان وتبعاته تنوء بحملها الجبال. وإلا أن هذه الحرية قد تغري الإنسان والمجتمعات فتطغي وتتجبر، وتعتقد أن الإنسان بإمكانه منافسة العلي القدير، ومن ذلك نرى المجتمعات والشعوب الضالة تكفر بالله وبشريعته، وتزعم أن لا سلطان فوق سلطان العقل، وهنا تأتي خاصية أخرى للأمة الإسلامية، وهي إعترافها وإقرارها بالوحي، وفي نفس الوقت لا تنكر قيمة العقل بنص القرآن الكريم. لكن العقل بدون وحي قاصر إن لم يكن باطلا. فالعقل وحده لا يكفي وإن كان ضرورياً، بينما الوحي كافٍ وحده، وإن كان لابد من عقل لفهمه وتدبره واكتشاف أغواره التي لا تنضب، فالمشكل الحقيقي الذي على الأمة حله هو تمسكها بالشرع والخضوع له في كل شيء، مع إستغلال طاقات وقدرات العقل البشري، إذ في النهاية لا تناقض بين الوحي والعقل، بالرغم من أنه لا مجال للموازنة بينهما، لأن لا فلاح بدونهما. فالإيمان مع الجهل ناقص ضرورةً بحكم لاشرع، ولكن يجب أن يكون واضحاً أن العقل له حيل معروفة عند الفلاسفة، قد تستغل من طرف بعض الناس للإدعاء كذباً أن لا طاقة تفوق طاقة العقل، هذا شيء مرفوض، لأن العقل وسيلة أو آلة من بين وسائل متعددة يمكنها أن تقود الإنسان إلى المعرفة، بينما الشرع أو الوحي يعصم الإنسان من الزلل وخاصة الإبتعاد عن الشرك _ الظلم. لأن الشرك له تبعات إجتماعية خطيرة للغاية. فدور علم الإجتماع الإسلامي هنا توضيح ما هو أساسي وما هو ثانوي إنطلاقاً من المبدأ الأساسي: التوحيد: فالنظام الإجتماعي الإسلامي لا يشبهه أي نظام، ولكن قول هذه الحقيقة أصبح لا يكفي، نظراً لما تعرضت له الأمة من اكتساحات فكرية حضارية وإجتماعية، أصبح معها النظام الإسلامي مبلبلا، غير واضح أحياناً، حتى بالنسبة لأبناء الأمة الملتزمين، وذلك ناتج عن هجوم الحضارة المادية بنظمها الفكرية والتكنولوجية، وخاصة إنتصاراتها العلمية الباهرة حقاً في شتى الميادين.
كل هذه الثورات الفكرية والإجتماعية والعلمية التي حققها الغرب، ليست وليدة صدفة، بل هي تعبير عن طاقات الفكر البشري المبدعة، وتحقيق لمبدأ عام هو أن الطبيعة كتاب مفتوح للجميع وليست مقصورة على "أمة" بعينها، لأنها مؤمنة ولا تشرك بالله. فالقوانين الإلهية لا تتخلف وسنن الله في الطبيعة والإنسان والكون لا تتبدل ولا تتغير، ولكن الذي يتغير دائماً هو إدراك الإنسان لها. فالإنسان مقيد بالزمان والمكان، والبنى الإجتماعية والثقافية، ولذلك قد يبدو أن الحقائق الكونية مختلفة تماماً، ولكن الذي يختلف في الواقع هو قدرة الإنسان على النفاذ إلى أغوارها حسب مكوناته الفكرية والعقلية.
إن أهمية علم الإجتماع تكمن في كونه واقعياً، أي أنه يصف الظواهر كما هي لا كما ينبغي أن تكون، وإذا استطاع تشريح المجتمع تشريحاً واقعياً علمياً، يمكنه حينئذ أن يوجه الأفراد والمؤسسات الإجتماعية توجيهاً معيناً، بحيث ينطبق السلوك مع الاعتقاد والمبادىء الكلية للإسلام.
والعالم الاجتماعي المسلم، مهمته شائكة وخطيرة للغاية. فهو من جهة قد يقع بسهولة في انفصام الشخصية، بمعنى أنه سوسيولوجي (مادي) في تحاليله وتفاسيره ودراساته، ومسلم في بيته أو في المسجد. أي أن دراسته في واد وهي الأهم، وحياته الثانوية في واد آخر، وهذا معناه أن لا تواصل بين الفكر والواقع والمخيلة الإجتماعية، فالقطيعة تامة، وعميقة وهذا يفسر إلى حد بعيد مدى غياب الرؤية الإسلامية الصحيحة في الأعمال الجامعية المكتوبة من قبل المسلمين. يضاف إلى ذلك عامل طغيان المذهب المادي في العلوم الاجتماعية، وعلم الإجتماع بالذات مما أدى بهذه العلوم إلى أن تصبح علوماً أيديولوجية تخدم استراتيجيات معينة، وذلك ما يفسر أزمة العلوم الإجتماعية الغربية في العشر سنوات الأخيرة.
يبقى أن علم الإجتماعي الإسلامي ليس علماً إجتماعياً غربياً مكرراً، أو على الأصح مبتذلاً ولقيطاً. فخصوصية علم الإجتماع الإسلامي، هي قلبه لكل التصورات والنظريات الغربية حول المجتمع كما أن هدفه أو أهدافه تكمن في كونه علماً يهتم بقضايا الأمة، وليس علماً يهتم بمصالح طبقة أو قبيلة، والطبقة هنا قد تعني دولة أو دولاً كالرأسمالية أو الشيوعية، والقبيلة تعني الأحزاب السياسية لأن العنصر الحاسم هو الأيديولوجي والإقتصادي في كل التكتلات المعاصرة، بينما العنصر الحاسم عند شعوب الأمة هو التوحيد والوحدة، مع الاخوة والنهضة والعدل طبقاً للمبادىء الإسلامية.
***
وعلم الإجتماع الإسلامي لا يمكن أن يكون إجرائياً إلا إذا طور تخصصات فرعية مكملة ومغذية له وأهمها:
1_ علم إجتماع ديني، يهتم بقياس ممارسة الناس وإلتزامهم بمبادىء الإسلام ومدى فهمهم للتصورات الإسلامية. وكذلك تحليل المؤسسات الإجتماعية كالطرق الصوفية والفرق المنحرفة، وإيضاح كل ذلك وضعاً وإحصاءً. وهذا فرع هام جداً.
2_ علم إجتماع الخلافة، وهدفه أولاً التركيز على أن نظام الحكم في الإسلام هو الخلافة وهي قضية كبرى، تعرضت لكثير من التأويلات الخاطئة الضالة وكذلك معالجتها علاجاً علمياً إجتماعياً خالياً من الأهواء والمصالح الدنيوية الفانية وتوضيح معاني البيعة ومعاني الخلافة وكل الأمور الشرعية التي تتطلبها إقامة الخلافة من جديد. ولا بأس هنا من التركيز على عنصر أساسي، وهو أنه بدون استرجاع الخلافة، وبالتالي توحيد الأمة وتوحيد أهدافها ومشاريعها السياسية والاقتصادية والعمرانية والعلمية، فإنه يصعب بل يستحيل إقامة الأمور الأخرى كما يجب.
هذان رافدان لابد منهما لتغذية وتكميل علم الإجتماع الإسلامي، كما أنهما حقلان لابد من إعطائهما كل ما يستحقان من عناية، لأن البعد الإجتماعي للإسلام هام جداً، ولكنه لا يزال غير مدروس إن لم أقل غير معروف، على الأقل لدى أغلبية المثقفين والباحثين، لأسباب أيديولوجية وسياسية.
الذي ينبغي التأكيد عليه، هو أن دور علم الإجتماع الإسلامي، ليس فقط في تكامل المعرفة الإسلامية، بل في تعميقها وإعطائها النفس الجديد الذي هي في حاجة إليه، دور أساسي وحاسم. إذ طبيعة علم الإجتماع نفسها تحتم أن يكون علماً نقدياً متحركاً، عاملاً على تعرية الآليات التي تتحكم في سير البنى الإجتماعية. كما أنه يفضح الأيديولوجيات بإظهار جذورها، وإن كان استعمل في الغرب لتبرير أيديولوجيات وفلسفات معينة. ولكن هذا لا يعني أبداً أن علم الإجتماع هو المفتاح السحري لكل شيء، فهو واحد من بين كل العلوم الإجتماعية، التي يجب الإهتمام بها من طرف الإسلاميين، وإن كانت مساهماته هامة، فهي تبني بدون فائدة إذا لم توجد البيئة الإجتماعية والنفسية التي تساعد على فعاليته.
-----------------------------